ابن أبي الحديد

208

شرح نهج البلاغة

عراقك ، فنخلي بينك وبين العراق ، ونرجع نحن إلى شامنا ، فتخي بيننا وبين الشام ( 1 ) . فقال علي عليه السلام : ( 2 ) قد عرفت ما عرضت ، إن هذه لنصيحة وشفقة ( 2 ) ، ولقد أهمني هذا الامر وأسهرني ، وضربت أنفه وعينه فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد . إن الله تعالى ذكره لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون ، لا يأمرون بمعروف ، ولا ينهون عن منكر ، فوجدت القتال أهون علي من معالجة في الأغلال في جهنم . قال : فرجع الرجل ( 3 ) وهو يسترجع ، وزحف الناس بعضهم إلى بعض فارتموا بالنبل والحجارة حتى فنيت ، ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت واندقت . ثم مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسيوف ، وعمد الحديد ، فلم يسمع السامعون إلا وقع الحديد بعضه على بعض ، لهو أشد هولا في صدور الرجال من الصواعق ، ومن جبال تهامة يدك بعضها بعضا ، وانكسفت الشمس بالنقع ، وثار القتام والقسطل ( 4 ) ، وضلت الألوية والرايات ، وأخذ الأشتر يسير فيما بين الميمنة والميسرة ، فيأمر كل قبيلة أو كتيبة من القراء بالاقدام على التي تليها ، فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد ، من صلاة الغداة من اليوم المذكور إلى نصف الليل ، لم يصلوا لله صلاة ، فلم يزل الأشتر يفعل ذلك حتى أصبح والمعركة خلف ظهره ، وافترقوا عن سبعين ألف قتيل في ذلك اليوم ، وتلك الليلة وهي ليلة الهرير المشهورة . وكان الأشتر في ميمنة الناس ، وابن عباس في الميسرة ، وعلي عليه السلام في القلب ، والناس يقتتلون . ثم استمر القتال من نصف الليل الثاني إلى ارتفاع الضحى ، والأشتر يقول لأصحابه

--> ( 1 ) صفين : " شامنا " . ( 2 - 2 ) صفين : " لقد عرفت ، إنما عرضت هذه النصيحة شفقة " . ( 3 ) صفين : " الشامي " . ( 4 ) القسطل : الغبار .